أبي حيان الأندلسي

251

البحر المحيط في التفسير

وسمي بذل النفس في سبيل اللّه إنفاقا مجازا واتساعا كقول الشاعر : وأنفقت عمري في البطالة والصبي * فلم يبق لي عمر ولم يبق لي أجر والأظهر القول الأول ، وهو : الأمر بصرف المال في وجوه البرّ من حج ، أو عمرة ، أو جهاد بالنفس ، أو بتجهيز غيره ، أو صلة رحم ، أو صدقة ، أو على عيال ، أو في زكاة ، أو كفارة ، أو عمارة سبيل ، أو غير ذلك . ولما اعتقبت هذه الآية لما قبلها مما يدل على القتال والأمر به ، تبادر إلى الذهن النفقة في الجهاد للمناسبة . وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قال عكرمة : نزلت في الأنصار ، أمسكوا عن النفقة في سبيل اللّه ، وقال النعمان بن بشير : كان الرجل يذنب الذنب فيقول : لا يغفر اللّه لي ، فنزلت . وفي حديث طويل تضمن أن رجلا من المسلمين حمل على صف الروم ، ودخل فيهم وخرج ، فقال الناس : ألقى بنفسه إلى التهلكة ، فقال أبو أيوب الأنصاري : تأوّلتم الآية على غير تأويلها ، وما أنزلت هذه الآية إلّا فينا معشر الأنصار ، لما أعز اللّه دينه قلنا : لو أقمنا نصلح ما ضاع من أموالنا ، فنزلت . وفي تفسير التهلكة أقوال . أحدها : ترك الجهاد والإخلاد إلى الراحة وإصلاح الأموال ، قاله أبو أيوب . الثاني : ترك النفقة في سبيل اللّه خوف العيلة ، قاله حذيفة ، وإن عباس ، والحسن ، وعطاء ، وعكرمة ، وابن جبير . الثالث : التقحم في العدو بلا نكاية ، قاله أبو القاسم البلخي . الرابع : التصدّق بالخبيث ، قاله عكرمة . الخامس : الإسراف بإنفاق كل المال ، قال تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا « 1 » وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ « 2 » قاله أبو علي . السادس : الانهماك في المعاصي ليأسه من قبول توبته ، قاله البراء ، وعبيدة السلماني .

--> ( 1 ) سورة الفرقان : 25 / 67 . ( 2 ) سورة الإسراء : 17 / 29 .